ذاكرة مدينة الدار البيضاء .. ماضٍ تراثي لافت وحاضر ثقافي باهت‬
الأحد 03 ماي 2020 - 23:00
ماضٍ مشعّ بالثقافة وحاضر باهت يتطلع إلى ألق "الزمن الجميل"، هو حال "كازابْلانْكا" التي تنتظر بعث أمجادها، بعدما نخرها النسيان وأصابها الصدأ وتلاشت ملامحها، فغَدت مدينة مجهولة لسكّانها الأصليين بسبب واقعها المُقلق، وصارت غارقة في أوحال الإهمال رغم محاولات إنقاذها المتأخرة.
بين عبق الماضي وألم الحاضر سنوات طوال تنطق شجنًا، وهو ما يبرزه حسن لعروس، من خلال كتابه المعنون بـ"المدينة القديمة بالدار البيضاء: ذاكرة وتراث"، الذي يُسافر بالقراء إلى عوالم تاريخية حافلة بالحيثيات المحسوسة، راصداً جوانب التعايش بين الثقافات والديانات في عهد الحماية.
ثقافة التعايش
بذلك، استهلّ ابن المدينة القديمة حديثه عن الموضوع بالإشارة إلى ذاكرتها الغنية بالأحداث والزاخرة بالمشاهد، قائلا: "أغرب ما كان يميزها هو أنها نسجت على أيادي خليط من بشر تتنوع مذاهبهم وتتعدد لغاتهم، وتختلف أعراقهم وثقافاتهم، هم نسيج من مجتمع جمع بين مغاربة مسلمين ويهود وجاليات أوروبية".
ومن بين الجنسيات الأوروبية الحاضرة آنذاك، يذكر الجنسية الإيطالية والألمانية والإنجليزية، إلى جانب أفارقة من الجزائر وتونس وموريتانيا والسينغال، وحتى بعض الأفراد من آسيا، تحديدا الجنسيات الهندية والصينية واليمنية، موردا أن كل هذه الأطياف من البشر متعددة اللغات والأعراق كانوا يتعاطون التجارة والوظائف والحرف.
ولفت المؤلف إلى أنهم كانوا يمارسون عاداتهم وعباداتهم وطقوسهم في أجواء من الاحترام والأمن داخل قلعة صغيرة مسورة بسبعة أبواب، وزاد: "وما وجود الكنائس والمعابد داخل السور وخارجه وتعدد القنصليات وإعطاء الأحياء الشرقية للمدينة القديمة أسماء أوروبية، مثل زنقة "الكومندار بروفو" وساحة "الأميرال فلبير" وغيرها من أسماء كثيرة، إلا دليل على انفتاح السكان على كل هذه الثقافات".
روح الثقافة
إلى ذلك، أبرز الباحث في التاريخ اليهودي للمدينة أنه لم "يكن هناك فرق بين عرس إسلامي ويهودي في اللباس والجلباب والطربوش والبلغة والحناء والطرب والزغاريد، وحتى التكبير، حيث كان المسلمون واليهود أسرة واحدة داخل الأحياء الشعبية للمدينة القديمة كلها".
وتابع: "كانوا يتقاسمون الدور والمنازل، ويتشاركون في الأحزان والأفراح والتهاني، يجتمعون داخل البيوت والمقاهي ودور التسلية وحتى الحمام، يملؤون القسم الغربي من المدينة القديمة عن آخره، وذلك ناتج عن مدى عمق التعامل والتراضي والتسامح الذي كانت تتمتع به ساكنة المدينة".
وبشأن دور السينما في الدار البيضاء، أشار لعروس إلى أن داخل السور بالمدينة القديمة احتضن قاعتين للسينما، وهما سينما "لامبيريال" وسينما "مدينا"؛ فالأولى كانت مختصة في الأفلام الغربية فقط، والثانية هي الأكثر شعبية، بينما كانت خارج السور سينما "كازينو" و"تريومف" و"لوباري" و"أبولو" و"الريجو" و"فوكس" و"الريالطو" و"الريدز" و"لوكس" و"الريف" واللائحة طويلة.
الحدث الأسود
لكن واقعة 14 يوليوز 1955 التي ضمّنها الكتاب أسفرت عن توتر علاقة المسلمين باليهود، حيث "فجر مقاوم قنبلة داخل حانة لبيع الخمور كانت تسمى "المقهى الكبير لمرس السلطان"، وهي مملوكة لأوروبية؛ ما أدى إلى مقتل وجرح مجموعة من أفراد الوجود الفرنسي الذين كانوا يحتفلون بعيدهم الوطني وكان يشاركهم ثلة من اليهود المتطرفين".
الواقعة دفعت مجموعة من الفرنسيين، مسلحين ومؤازرين بأعضاء من الجيش والشرطة الفرنسيين، إلى إحراق متاجر المغاربة بساحة "درب عمر"، وبدؤوا يقتلون كل من صادفوه في الطريق من المغاربة، وفق الكاتب، ثم وصل الخبر المدينة القديمة، فتكونت مظاهرتان قام بها الشباب البيضاوي؛ الأولى خرجت من المدينة القديمة وملحقاتها، والثانية نزلت من درب السلطان وما جاوره.
هكذا، انتشر المتظاهرون بين الأحياء الأوروبية واحتدم الصراع ليل نهار على مدى ثلاثة أيام بلياليها رغم منع التجوال ليلا، حسب الوثيقة، ثم جاء خبر أن مجموعة من اليهود المتطرفين شاركوا الوجود الفرنسي في تلك الحوادث؛ ما دفع بعض أبناء المدينة القديمة المتشددين إلى إخلاء العديد من اليهود من منازلهم وإحراقها، ما جعل كل اليهود يتخلون عن مساكنهم ويشدون الرحيل إلى خارج السور.
مغادرة أهل الداخل
وبعد عودة محمد الخامس من منفاه يوم 16 نونبر 1955، توالت الأيام والشهور، فبدأت المدينة القديمة تأخذ طابعا مغايرا عما كانت عليه، يضيف لعروس، إذ رحل كل الإسبان أيضا إلا من أسلم، خاصة بعض اليهوديات والإسبانيات اللائي تزوجن من أبناء المدينة.
وأوضح المؤلِّف أنه عقب الاستقلال جاءت ظاهرة الهجرة القروية نحو الدار البيضاء كما هو حال عدة مدن مغربية جراء الجفاف وقساوة الطبيعة، فكان من نصيب المدينة القديمة أفواج منهم جاؤوا تباعا بحثا عن لقمة عيش، حتى اكتظت بالمهاجرين الذين استغلوا المنازل التي تركها اليهود والإسبان.
نتيجة لذلك، سكن هؤلاء المهاجرون تلك المنازل المهجورة، تبعاً للباحث، وهنا بدأت الهجرة المعاكسة لأهل المدينة ممن استطاعوا تركها إلى الفضاء الخارجي، نظرا للتغييرات والأوضاع التي فرضتها الظروف، زيادة على توظيف شباب المدينة بعد الاستقلال في مجالات ومرافق إدارية عديدة.
المعالم السبع الضائعة
ذكر الباحث أيضا ما أسماه بمعالم الدار البيضاء السبع الضائعة، وهي إعدادية مولاي يوسف أو "المدرسة الخرجة" كما سماها أهل المدينة القديمة خلال تأسيسها، لأنها بنيت خارج سور المدينة القديمة، وسميت أيضا "الضيعة البيضاء" أو "لافيرم بلانش"، وجاء جيل آخر سماها "مدرسة القبة"، حيث بنيت قبة جميلة بجانبها، لكنها هدمت وأزيلت عن آخرها عوض ترميمها وإصلاحها.
أما المعلمة الثانية فهي المسرح البلدي الذي بُني خلال النصف الأول من القرن الماضي، حيث كانت هي مرآة المجتمع البيضاوي ومجمع أنشطته الفنية والثقافية والتربوية والترفيهية.
وتتجسد المعلمة الثالثة في المسبح البلدي الذي شُيد بداية ثلاثينيات القرن الماضي، وهو الذي كان يسع لأكثر من أربعة عشر ألف زائر؛ لكن طاله الإهمال زمنا طويلا إلى أن هدم وشيد على أنقاضه مسجد الحسن الثاني.
وتتمثل المعلمة الرابعة في حلبة مصارعة الثيران التي كانت تتسع للآلاف من محبي مصارعة الثيران من الإسبان. في حين كانت الخامسة هي تمثال الصداقة الذي كان عربونا على الصداقة القائمة بين الدولة المغربية والجمهورية الفرنسية خلال عهد الحماية، ثم فندق "أبراهام لينكولن" الذي يعد من البنايات الأولى التي أقيمت بشارع محمد الخامس.. وأخيرا فندق "آنفا"، الذي اجتمع داخله كبار قادة العالم في 22 يناير 1942.
Axact

Axact

Vestibulum bibendum felis sit amet dolor auctor molestie. In dignissim eget nibh id dapibus. Fusce et suscipit orci. Aliquam sit amet urna lorem. Duis eu imperdiet nunc, non imperdiet libero.

Post A Comment:

0 comments: